24 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

كيف عشنا سنوات الفقر؟ "لو مثل لي الفقرُ رجلًا لقتلته"!

في هذه الخاطرة، وربما في التي بعدها، أذكر لقطات من بدايات الحياة التي عشناها. قد يظن القراء الشباب أنها مبالغ فيها لكن من ولدوا معي، مطلع الستينات الميلادي، أو الثمانينات الهجري، شهدوا أواخر تلك الفترة. اسألوا آبائكم وأمهاتكم، أو أصدقائكم، الذين كانوا شهودًا عليها يخبرونَكم عنها!

ليس الفقر هو أن تعوزك سيارة، أو دراجة، أو ملابس فاخرة، أو مصروف جيب. إنما الفقر الذي يسلبك عزة نفسك وكرامتها ويجعلك مرهونًا للخبز. الفقر الذي إذا حصل الإنسان الفقير على ما يأكل ويلبس غمرته الدموعُ من الفرح!

"لو مثل لي الفقرُ رجلًا لقتلته"! رغبة تستحق التقدير والإشادة بها في محاربة الفقر فهو - أي الفقر - عدوّ لدود ومحارب شرس يحتاج إلى قوة في قتله والتخلص منه. لذلك ترى الدينَ يحارب الفقرَ بصورة منظمة. للقارئ الكريم والقارئة الكريمة أن يتبصر في آيات القرآن الكريم الواضحة والأحاديث النبوية الوافرة التي تدعو للتكافل ومحاربة الفقر بلا هوادة.

الحمد لله نحن أغنياء الآن وبخير فلماذا التذكير بسنوات الفقر؟ هذا لأَقول لأبنائي وأحفادي: الحمد لله ثم نحافظ على النعمة التي وهبنا الله إياها دون استحقاق. أن نعي دروسَ الماضي ولا ننساها من أجل المستقبل.

لم تكن هذه الحال في جزيرة تاروت - التي ولدتُ فيها - دون سواها، أو في القطيف وتوابعها من بلدات، إنما في بلدان أخرى أيضًا. هكذا كانت أحوال الكثير من الناس، ضنك وضيق معيشة، قبل أن تتحسن ونصل إلى رغد العيش الآن! لا يعني بأي حال أنه لم يوجد أغنياء مكتفين، يفيض المال من رحالهم، في كل زمان فقراء وأغنياء. 

على الإنسان أينما كان أن ينهض كل يوم ويفكر في محاربة الفقر بكل وسيلة شريفة. لا ينتظر ما في أيدي الناس من شفقة أو صدقة إلا إذا كان ذا عذر! على الشاب أن ينهض ويكافح ليكون أبعد وأرفع ما يستطيع عن "خط الفقر" وهو المستوى الأدنى من الدخل الذي يحتاجه الفرد ليتمكن من توفير مستوى معيشة في بلد ما.

غاية المرام: كنا بالأمس، أو بعضنا، فقراء وهذا ليس عيبًا فمن البلاء ما هو أعظم. تغيرت أحوال الناس وزال الفقر الذي إذا أصاب لم يترك بطنًا إلا أَجاعه ولا ظهرًا إلا قلّل من ستره. نعمة كبيرة من نعم الله سبحانه وتعالى. تبقى دروس الماضي سراجًا يضيء خطواتنا في المستقبل لكي لا نسقط في الفقرِ مرة أخرى!

إِذا لَم تَجِد ما يَبتُرُ الفَقرَ قاعِداً .. فَقُم وَاِطلُبِ الشَيءَ الَّذي يَبتُرُ العُمرا
هُما خَلَّتانِ ثَروَةٌ أَو مَنِيَّةٌ .. لَعَلَّكَ أَن تُبقي بِواحِدَةٍ ذِكرا

أبو الطيب المتنبي


error: المحتوي محمي